علاقة البنت بأبيها تحدد علاقتها بالجنس الآخر مستقبلاً

تؤكد العديد من الدراسات أن علاقة الأب بابنته استثنائية في أغلب الأحيان وهي لا تشبه في التعامل وفي التأثير والتأثر وأيضا في المشاعر علاقة الأب بالولد، وكثيرا ما تردد كلمات من قبيل البنت حبيبة أبيها أو الأب أول رجل تعشقه البنت، لكن بالرغم من قوة الروابط العاطفية الفطرية بين الطرفين إلا أن الكثير من الآباء لا يدركون دورهم المحوري في تربية بناتهم وقدرتهم على التأثير عليهن ويوكلون شؤونهن وحل مشكلاتهن للأمهات.
رسخت في الوعي الجماعي للأسر العربية أن البنت حبيبة أبيها والولد حبيب أمه، ونظرت العديد من البحوث العلمية في هذه المسلمات ووجد بعضها تفسيرات لصحة هذه المقولة من بينها أن هذا الميل الفطري يغذيه التجاوب أكثر مع الجنس الآخر أو المختلف أي أن البنت كأنثى تميل فطريا لوالدها أكثر من أمها، وبالرغم من أن هذا التفسير ليس قاعدة علمية ثابتة كون بعض الفتيات يملن لأمهاتهن أكثر وتكون علاقاتهن ببعض مبنية على الانسجام والتفاهم، إلا أن غالبية الفتيات خصوصا في سنوات الطفولة والمراهقة يقلن إنهن يملن لآبائهن أكثر.
ألّفت طبيبة الأطفال الأميركية ميغ ميكر كتابا بعنوان “آباء أقوياء وبنات قويات”، قالت فيه إنّ “الآباء يغيرون حتما مجرى حياة بناتهم ويمكنهم حتى إنقاذهن؛ من اللحظة التي تراها فيها أول مرّة عند ولادتها يبدأ العد التنازلي لينتهي عندما تغادر منزلك. عليك أن تسابق الساعة للتأثير عليها وتشكيل شخصيتها بقدر ما تستطيع”.
وتنصح ميكر الأب بأن يلبي بعض حاجيات ابنته التي لا تتعلق بالمسكن والملبس والطعام فقط بل تتعلق بالناحية العاطفية والمعنوية والتكوينية وذلك منذ ولادتها إلى أن تغادر منزله. وتوضح أن على الآباء التعرف وفهم بعض حاجيات بناتهم دون أن يطلبن ذلك بشكل مباشر بل عليهم معرفته بأنفسهم واكتشافه من خلال التواصل الجيد مع بناتهم.
وقد تعبّر البنت عما تنتظره من والدها أحيانا، لكنها لن تعرف كيف توجه اهتمامه إلى المسائل الأكثر إلحاحا في أغلب الأوقات. ومع ذلك، تبقى احتياجاتها موجودة حتى لو لم تخبر والدها عنها. وتقدم طبيبة الأطفال عددا من الحاجيات التي “لن تخبر البنات بها آباءهن رغم أنهن يتمنين أن يعرفوها”.
وتحتاج البنت إلى “رجل لا يسمح لها بالتصرف كما تريد كلما أردت ذلك”، وتفسر ميكر ذلك بأن الأطفال يولدون مع حاجة إلى القيادة الذكورية. وينطبق هذا أكثر على البنات. وتقول “تريد أميرتك أحيانا القيام بأمور ليست في مصلحتها. هنا، يجب عليك أن تتدخل وتظهر قيادتك وقدرتك على إنقاذ الموقف، حتى لو لم تعتبر ابنتك أنك في صفها”.
كما ترغب البنت في أن يعبر لها أبوها عن حبه جسديا حتى لو لم تتمكن من إبلاغه بهذه الرغبة إلا أنها موجودة داخلها على الأغلب، تحب الفتيات التعبيرات الجسدية. ووفقا لكتاب ميغ ميكر، تحتاج البنات إلى العناق ومختلف الدلالات التي تظهر محبتنا لهن.
وتردف المؤلفة على لسان البنت “في بعض الأحيان لا أحتاجك لتحل لي مشكلاتي، أريدك أن تستمع لما أقوله فقط”، مشيرة إلى أن الآباء يحاولون دائما تقديم الحلول والإجابات كلما اشتكى أبناؤهم، ولكن، قد “يمثل هذا آخر ما تحتاج ابنتك لسماعه منك. إنها لا تحتاج إلى أن تحاول إنقاذها بكل إجاباتك، بل تريد أن تستمع إلى مشكلاتها، ومن الأرجح أن تسمع آراءك إذا استمعت إليها أولا”.
وترى ميكر أن البنت لن تفهم دائما سبب ما فعله والدها لها، لكن هذا لا يجب أن يزعزع ثقة الأب في حبها واحترامها له، بغض النظر عما تقوله أو تفعله. وتؤكد أنه في غالبية الحالات لا تحترم الفتاة أحدا في العالم بقدر ما تحترم أباها، حتى وإن كان الأخير يشك في ذلك، وتقول “حتى عندما أشعرك بأنني لا أحترمك، مازلت أحترمك أكثر مما تعلم”.
وتحتاج كل فتاة إلى أن تتذكر أنها جميلة من الداخل والخارج، وتنبه الكاتبة الآباء “يجب أن تخبرها بذلك دائما. لا يوجد من يستطيع منحها الثقة في نفسها أكثر منك، وخلال فترة عيشها معك، تفضل سماع ذلك منك، لذلك فإن كل بنت تتمنى أن تسمع عبارات المدح لجمالها ومظهرها من والدها ويطربها ذلك ويقوي ثقتها في نفسها ولكن غالبية البنات لا يخبرن آباءهن بهذه الأمنية.
وتتوق البنت إلى سماع كلمة “أحبك” من والدها أكثر من أي شخص آخر، تشرح ميكر ذلك بالقول “تسعى ابنتك للحصول على رضاك أولا وقبل كل شيء. ويجب ألا يكون هناك من يخبرها بأنها محبوبة أكثر منك. عليك أن تخبر ابنتك بأنك تحبها كل يوم لتشعرها برضاك عنها، وخاصة بعد أن تتشاجرا”.
وتكشف توجيهات مؤلفة كتاب “آباء أقوياء وبنات قويات” أن سر قوة الأبناء يكمن في تعامل والديهم معهم، وتبيّن الوجه الاستثنائي لعلاقة البنت بأبيها، وتوضح للآباء كيف يلبون حاجات بناتهم المعنوية حتى تلك التي يعجزن عن طلبها وعن التعبير عنها رغم أهميتها في حصولهن على تكوين نفسي وسلوكي سليم ومتوازن.
ومن ناحية أخرى تُبرز المختصة في طب الأطفال دور الأب في تربية الأبناء وقدرته على التأثير على بناته بالرغم من أن الغالبية يوكلون الاهتمام بالتربية وبالجانب العاطفي للطفل للأم ويختصرون دور الأب في الجوانب المادية وجانب الحماية والسلطة، لكن يظل دور الأب العاطفي شبه مهمش رغم إثبات فعاليته وتأثيره علميا من قبل المختصين والخبراء.
ويؤكد مختصون نفسيون أن البنت عندما يقال لها إنها بنت أبيها أو أنها تعشقه إلى درجة أنها تبحث عن شريك حياة يشبهه لا تنزعج من ذلك لأن فيه إشارة لعلاقتها الوطيدة به، والتي غالبا ما تكون محفزا لها نحو النجاح والتميز كونها تنمي فيها الثقة بالنفس سواء في مرحلة الطفولة وفي مسارها التعليمي أو عندما تكبر وتخوض علاقاتها الاجتماعية الخاصة وتكون أسرتها وبيتها.
وأظهرت العديد من الدراسات أيضا الدور المحوري الذي تلعبه علاقة الفتاة بوالدها في رسم معالم علاقاتها بالجنس الآخر وينعكس ذلك على قدرتها في اختيار الشريك المناسب لها ويشكل إحدى الضمانات لنجاح حياتها العاطفية.
وترجع هذه الدراسات العديد من مظاهر عجز الفتاة عن التواصل الإيجابي مع الجنس الآخر سواء في ما يهم علاقاتها في الدراسة أو العمل مع الزملاء أو المديرين أو في العلاقات الاجتماعية والعاطفية، إلى ضعف علاقتها بوالدها أو إلى غياب الدور الإيجابي له في حياتها وعند تكوين شخصيتها خصوصا في مرحلتي الطفولة والمراهقة. ويؤكد مختصون أن الفتيات اللائي عانين من خلل في علاقتهن بالأب ومن تشوه لصورته عندهن غالبا ما يعانين من اختلالات في ربط علاقات مع الجنس الآخر ويكابدن لإنجاح هذه العلاقات على اختلافها.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *