الحرمان من النوم سبب رئيسي في تشتت الانتباه

النوم الذي يخضع لنظام ساعاتنا البيولوجية حيث يبدأ في ساعات الليل الأولى وينتهي عند الفجر، ساعات السكينة هذه التي أصبحت حلما هي الأخرى في بيئة ملوثة بالمشتتات والضجيج الخالص.
الحرمان من النوم، هو الخصم الرئيس في معركتنا ضد تشتيت الانتباه. هكذا أشارت نتائج دراسة حديثة هي الأكبر من نوعها في هذا المفهوم، مؤكدة أن الأشخاص الذين يعانون حرمانا مستمرا أو متذبذبا من النوم، يقضون أوقاتا عصيبة في النهار في محاولة مستميتة للتيقظ وممارسة حياتهم اليومية الطبيعية.
يمكن أن يكون تشتيت الانتباه مسألة بسيطة في نظر البعض، خاصة إذا لم تخرج عن كونها حوادث إلهاء بسيطة تحدث لنا وللكثيرين في محيطنا الاجتماعي.. حيث تشغلنا مثلا رسالة بريد إلكتروني تظهر فجأة على شاشة الكمبيوتر فتشتت انتباهنا وتعرقل سلاسة العمل الذي نحاول أن نكمله، ومثله قد تفعل برامج التلفزيون أو أغنية ما تسحب اهتمامنا وتشتته مؤقتا فننسى تدفق الأفكار في الكتاب الذي كنا نتابع قراءته. لكن تشتيت الانتباه في حقيقته هو قضية خطيرة إذا ما تم قياسه بميزان الإنتاجية والدقة والسلامة.
نظر الباحثون في جامعة ميشيغان الأميركية الذين أشرفوا على الدراسة المكونة من 234 متطوعا، إلى تأثير الحرمان من النوم تحديداً على قدرة الأشخاص على إكمال مهمة تتضمن اتباع توجيهات وتطبيق خطوات متعددة. وتوزع أفراد العينة الذين حضروا إلى المختبر البحثي في المساء إلى مجموعتين؛ إحداهما غادر أفرادها عند منتصف الليل إلى منازلهم للتمتع بقسط من النوم، في حين بقي أفراد المجموعة الثانية مستيقظين لما تبقى من ساعات الليل.
في صباح اليوم التالي، تجمع المشاركون في مختبر النوم البحثي وطلب منهم إتمام بعض المهام الإجرائية التي تتطلب خطوات معينة لإنجازها، إلا أن الأمور سارت على نحو مختلف مع أفراد المجموعتين؛ حيث فشل 15 بالمئة من أفراد المجموعة المحرومة من النوم في أداء المهمة المطلوبة مقابل 1 بالمئة فقط من أفراد المجموعة الثانية، إضافة إلى ذلك فإن الأشخاص المحرومين من النوم الذين تمكنوا من إكمال المهمة المطلوبة منهم قد ارتكبوا أخطاء كثيرة مقارنة بزملائهم الذين تمتعوا بالنوم في ساعات الليلة الفائتة، وكلما كانت تطول فترة العمل في المهمات الموكلة إليهم كلما ازدادت أخطاؤهم وهفواتهم.
كما وجد الباحثون في هذه الدراسة أن زيادة التشتت عند الأفراد المحرومين من النوم، تؤثر في المهارات المعرفية التي تعرّف بـ”صيانة الذاكرة”؛ وهي قدرتنا على الاحتفاظ بالمعلومات ذات الصلة الواحدة في ذاكرتنا ثم استرجاعها بكفاءة.
في حياتنا اليومية، تتعاظم الآثار السلبية المتولدة بسبب ضعف عملية صيانة الذاكرة، بمعنى تأثيرها الواضح على مستوى إنتاجيتنا ومع توافر عناصر التشتيت والمعرقلات الصغيرة على انسيابية أعمالنا؛ مثل رسالة هاتف نصية تقاطع استغراقنا في قراءة كتاب أو قدوم شخص ومحاولته فتح حديث قصير في الوقت الذي نحاول فيه عد نقودنا، كل هذه المشتتات تؤثر بصورة أكبر في الانتباه المطلوب للعودة إلى العمل الأساس فيما تتضاعف الخسائر في هذا المستوى في حالة وجود ضعف في صيانة الذاكرة.
هناك أيضا غياب الدقة في العمل وصعوبة استرجاع المعلومات المطلوبة في الوقت المناسب، ما يتسبب في خسائر في الوقت والجهد والمردود المادي طبعا، وأظهرت لنا هذه الدراسة أنه كلما طال أمد تركيزنا على المهام التي تنطوي على خطوات متعددة، كلما زاد احتمال ارتكابنا أخطاء أثناء تعرضنا للحرمان من النوم.
يؤكد أستاذ علم النفس السريري وعضو المجلس الأميركي لطب النوم د. مايكل بريوس، أن الحديث عن الحرمان من النوم والانتباه قد يمتد إلى أبعد من ذلك، إذ أن إجراءات السلامة تمثل مشكلة أخرى وربما تكون أكثر خطرا من غيرها، خاصة للأشخاص الذين يعملون في قطاعات مثل السلامة العامة، الرعاية الصحية والنقل، حيث أن درجة تشتيت انتباههم وإلهائهم تعني حصول أحداث كارثية وهي خط فاصل بين الحياة والموت.
في ميدان النقل مثلا، نسمع كثيرا عن حوادث الطرق والسكك الحديد وفي المجال الصحي فإن الأطباء الذين يعانون من الحرمان من النوم أكثر عرضة للأخطاء أثناء العمليات الجراحية وملابسات التشخيص الخاطئ، إضافة إلى وصفات الأدوية غير المدروسة، فيما يتسبب رجال الشرطة في المزيد من الأخطاء وقد يصبحون أكثر عدوانية بسبب الحرمان من النوم، إضافة إلى حدوث الإصابات العرضية في العمل والمصانع والمنازل.
يشير بريوس مرة أخرى إلى أن النوم الجيد يحسن تنظيم ذاكرتنا، وهو مصطلح يصف قدرة الدماغ المعقدة على فرز المعلومات وتصنيفها وتلخيصها بشكل استراتيجي، لجعلها أكثر فائدة وأسهل في الاسترجاع عند الحاجة لذلك. في ملاحظة خطيرة تتعلق بالجانب الجنائي، وجد باحثون أن الأشخاص المحرومين من النوم ينساقون من دون وعي للتوقيع على اعترافات كاذبة أثناء استجوابهم من قبل الشرطة.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *