2019-01-03 13:29:14

لماذا انخفضت مشاركات الصحفيات الأردنيات

تنخفض مشاركة الصحفيات في المواقع العليا داخل المؤسسات الصحفية والإعلامية في الأردن، بسبب جملة من المعيقات التي تنبثق أساسا من دوافع تمييزية على أسس جندرية ضد المرأة الصحفية. وعلى الرغم من انخراط المرأة الأردنية في العمل الإذاعي منذ تأسيس الإذاعة الأردنية العام 1959، وكذلك التلفزيوني مع انطلاق التلفزيون الأردني العام 1968، كما عملت في الصحافة المطبوعة منذ سبعينيات القرن الماضي، وحققت تفوقاً ملحوظاً، لكنّ تواجدها في المواقع القيادية ما يزال متدنيا، ما يضعف تأثيرها على طبيعة المحتوى الإعلامي. وتشكل النساء ربع العاملين بالمؤسسات الصحفية في الأردن، بحسب دراسة صادرة عن (IMS) العام 2018، حول واقع عمل الصحفيات بمؤسسات الإعلام الأردنية، إذ يبلغ عدد الصحفيين عموما (1873)، منهم (444) صحفية، يمثلن ما نسبته 23 % من المجتمع الصحفي ككل، ومع ذلك لم تصل الصحفيات إلى موقع رئاسة التحرير أو إدارة أقسام الأخبار في الوسائل الناطقة باللغة العربية، باستثناء حالات قليلة في مواقع إلكترونية أو إذاعات كوادرها صغيرة وصحيفة يومية واحدة (الغد) التي تسلمت رئاسة تحريرها الصحفية جمانة غنيمات لعدد من السنوات. بينما تركزت المواقع التي تسلمتها النساء في هذه المؤسسات على أدوار ومهام إدارية، فعلى مستوى الصحف يعتبر منصب (مدير التحرير) من أكثر المواقع التي تشغلها صحفيات، لكن تجارب الصحفيات اللواتي يعملن كمديرات أو سكرتيرات تحرير تثبت أنه لا يعدو أن يكون منصبا شرفيا، وتتخذ المهام الموكلة إليهن طابعا إداريا. ريم الرواشدة، الصحفية في جريدة الرأي منذ ثلاثة وعشرين عاماً، تتسلم إدارة التحرير لقطاع المياه منذ العام 2011، لكنه ليس إلا مسمى وظيفيا، كما تصفه ريم، بلا امتيازات أو صلاحيات. وعندما تلقت عرضاً من الإدارة بتولي منصب مدير مندوبي الصحيفة، اشترطت زيادة في أجرها بما يتناسب والجهد المبذول في الموقع الجديد، لإحراز تقدم نوعي في طبيعة العمل، كما سعت إلى رفع سقف الحرية، وزيادة أجور المندوبين أيضا لتحسين أوضاعهم، لكن تدهور الوضع الاقتصادي للصحيفة، جعل ذلك مستبعداً، فأصبحت الأجواء غير مشجعة لقبول المنصب، كما تقول ريم. وتعبر عن استيائها لعدم وصولها إلى مواقع مهمة داخل مؤسستها بعد هذه السنوات الطويلة بقولها “إن الإنسان يحب أن يصعد بالتراتبية، وبعد أكثر من عشرين سنة من العمل، تكونت لدي الخبرة الكافية بالعمل الصحفي وبالمؤسسة، ومن المحزن أن أظل كما أنا لأسباب لا أعلمها”. صحفيات في مواقع القيادة حققت الصحفيات الأردنيات نجاحا واضحاً في المواقع العليا التي نجحن في الولوج إليها، وإن كان عددهن ما يزال قليلاً، لكنهن أثبتن قدرتهن وكفاءتهن في إدارة مؤسساتهن الإعلامية. ومنذ تأسيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الأردنية قبل أكثر من 50 عاما، لم يتسلم إدارتها من السيدات سوى بيان التل، ولفترة وجيزة، وقبلها تمكنت هالة زريقات من الوصول إلى منصب مدير التلفزيون الأردني، وقبلها شغلت سوزان عفانة منصب مدير عام القناة الفضائية الأردنية. وتُرجع التل سبب تدني وصول النساء إلى المناصب القيادية في المؤسسات الإعلامية إلى العقلية الأبوية لدى إدارة المؤسسات، والاعتماد على المصالح المشتركة للتعيين والترفيع لا على أساس الكفاءة والقدرات، بالإضافة إلى الاستهانة بقدرات المرأة وتحييدها عن مواقع صنع القرار. ويرى باسم الطويسي، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون وعميد معهد الإعلام الأردني، أنّ نسبة وصول المرأة الأردنية إلى مواقع صنع القرار في المؤسسات الإعلامية ما تزال دون الطموح، لأن الثقافة المؤسسية التقليدية تسود العمل، الخاص والعام على حدّ سواء، مما يعيق من وصول النساء إلى المواقع القيادية في المؤسسات الإعلامية وغيرها. أما الصحفية روان الجيوسي، التي شغلت منصب الإدارة لراديو البلد في الفترة ما بين 2013 – 2015، تؤكد أنّ بيئة العمل في المؤسسات ما تزال تفتقر لوجود سياسات عادلة تراعي قضايا النوع الاجتماعي، فتتحول بيئة العمل إلى بيئة طاردة للنساء في كثير من الأحيان، نتيجة “ذكورية النظام”، على حدّ قولها، مشيرة إلى دور الصور النمطية الراسخة لدى الرجال في مواقع صنع القرار والمسؤولية، ومدى مساهمتها في إقصاء المرأة، ومحدودية ترفيعها داخل المؤسسة. وفي أحيان كثيرة، تتراجع الصحفيات عن تسلم مواقع القيادة نتيجة هواجس الفشل أو تعرضها للهجوم والنقد، رغم امتلاكها المؤهلات والخبرات اللازمة، وهذا مرده طريقة التربية التي تؤطرهنَ وتقيدهنَ، وتضعف ثقتهن بأنفسهنّ، كما ترى الجيوسي. وتوافقها التل الرأي بأن حالة انعدام الثقة هذه تحدّ من فرص المرأة لتتقدم، ويتحمل المجتمع المسؤولية أيضاً في محاسبة المرأة اعتمادا على معايير أكثر صرامة من الرجل، ما يجعلها تخاف المجازفة حتى تتجنب الوقوع في الخطأ، وفقاً للتل. وتوضّح الباحثة في مجال الجندر والتعليم وفاء الخضراء، أن السياق الثقافي أطّر النساء والرجال بشكل معين، وهذا التأطير الذي يشكل أدوارهم وهوياتهم وانطباعاتهم وأحلامهم، وأيضا مواقعهم في المجتمع، فتشكلت صوراً ذهنية تدفع باتجاه تهميش النساء من هذه الأماكن. وتوضح أن موقع المرأة في المجتمعات الهرمية، يكون الأبعد عن الخدمات والموارد والآليات التي تساعد على صنع القرار والوصول إلى المواقع القيادية، وتتركز في أيدي الرجال، ما يساهم في تهميش المرأة وإقصائها.