حدود الاستمتاع بين الزوجين أثناء الحيض

قليلا ما أجتمع بزوجتي بسبب سفري، وغالبًا ما آتي في وقت تكون فيه حائضًا، وعادتها أن تحيض أربعة عشر يومًا؛ فلا نستطيع الاستمتاع إلا يومًا أو نحوه في مدة مكثي معها. فهل يجوز لي أن أستمتع بكامل جسد زوجتي وهي حائض إذا اجتنبت الجماع؟

الجواب : الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

أباحت الشريعة للزوجين الاستمتاع ببعضهما بالجماع وغيره في كل حال عدا ما استُثني من الوطء في الدبر والجماع في نهار رمضان وفي الإحرام وأثناء الحيض والنفاس؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾  اهـ.

قال العلامة ابن قدامة في “المغني” (1/ 242، ط. مكتبة القاهرة):  اهـ.

ولما خصصت الأخبار ما فوق السرة وما دون الركبة من عموم التحريم بقي قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾  على ظاهر ما يقتضيه من تحريم الاستمتاع بكل شيء من بدنها غير ذلك؛ فشمل التحريمُ الفرجَ وما حوله مما بين السرة والركبة؛ فما اتفقت عليه الآثار صار مخصوصًا من هذا الظاهر وبقي ما سواه على الظاهر.

كما أن الاستمتاع في موضع الفرج محرمٌ على زوج الحائض بالإجماع، وإذا قرب من ذلك الموضع فلا يأمنُ على نفسه أن يواقع الحرام، فعليه أن يجتنب ذلك بالاكتفاء بما فوق السرة وما دون الركبة، وكان هذا نوع احتياط فكان واجبًا؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث المتفق عليه: «فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ».
لذا فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن مباشرة الحائض تجوز فيما دون الركبة وما فوق السرة، أما ما بين ذلك فيجب اعتزاله.

قال الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” (10/ 159، ط. دار المعرفة):  اهـ.

وقال الإمام ابن رشد المالكي في “المقدمات الممهدات” (1/ 123، ط. دار الغرب الإسلامي): [وأما كيفية اعتزال النساء في الحيض المأمور به في الآية ففيه لأهل العلم ثلاثة أقوال:
أحدها: اعتزال جميع بدنها أن يباشره بشيء من بدنه على ظاهر قول الله عز وجل؛ لأنه أَمَرَ باعتزالهن عمومًا ولم يخص منهن شيئًا دون شيء. وهذا إنما ذهب إليه من اتبع ظاهر القرآن وجهل ما ورد في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من الآثار.
والثاني: إباحة مباشرة ما فوق الإزار على ما وردت به الآثار، وعلى هذا جمهور فقهاء الأمصار. وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين من البغداديين.
والثالث: إباحة كل شيء منها ما عدا الفرج] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في “المجموع” (2/ 362، ط. دار الفكر):  اهـ.

وذهب الحنابلة، وهو قول محمد بن الحسن الشيباني من الحنفية، ورواية الحسن عن أبي حنيفة، وقول أصبغ من المالكية، ووجه عند الشافعية، وهو اختيار الإمام النووي وغيره، وروي ذلك عن عكرمة وعطاء والشعبي والثوري وإسحاق، فذهبوا إلى أن ما يجب اعتزاله من النساء في الحيض هو موضع مخرج الدم فقط؛ أي يجوز الاستمتاع بباقي جسدها، ويشمل ما بين السرة والركبة، إلا الجماع.
قال العلامة البهوتي الحنبلي في “كشاف القناع” (1/ 200، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ.

وقال الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” (10/ 159):  اهـ.
وقال الإمام النووي في “المجموع” (2/ 362): [في مباشرة الحائض بين السرة والركبة ثلاثة أوجه، -ثم يذكر الوجه الثاني فيقول:-

والوجه الثاني: أنه ليس بحرام، وهو قول أبي إسحاق المروزي وحكاه صاحب “الحاوي” عن أبي علي بن خيران، ورأيته أنا مقطوعًا به في كتاب “اللطيف” لأبي الحسن بن خيران من أصحابنا، وهو غير أبي علي بن خيران، واختاره صاحب “الحاوي” في كتابه “الإقناع” والروياني في “الحلية”، وهو الأقوى من حيث الدليل؛ لحديث أنس رضي الله عنه فإنه صريح في الإباحة] اهـ.

وقال الإمام ابن رشد المالكي في “المقدمات الممهدات” (1/ 123):  اهـ.
فاستدل الحنابلة ومَن وافقهم بما أخرجه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: ما للرجل من امرأته إذا كانت حائضًا؟ فقالت: “كل شيء إلا الفرج”؛ قال العلامة ابن قدامة المقدسي في “المغني” (1/ 243، ط. مكتبة القاهرة):  اهـ.

وأجاب الجمهور بأن مرادها رضي الله عنها أن له كل شيء إلا الفرج؛ أي مع الإزار؛ قال الإمام الكاساني في “بدائع الصنائع” (5/ 119، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ.

كما استدل الحنابلة ومَن وافقهم بقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾  اهـ.
وأجيب بأن الآية الكريمة حجة عليهم؛ لأن ما حول الفرج لا يخلو عن الأذى عادة فكان الاستمتاع به استعمال الأذى.

فاستدلوا بأن “المحيض” في قول الله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾  اهـ.

وأجاب الجمهور بأن المحيض هو الحيض، مصدر حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا؛ بدليل قوله تعالى في أول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والأذى: هو الحيض المسئول عنه، وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾  .

ورد الحنابلة ومن وافقهم بأن اللفظ يحتمل المعنيين، وإرادة مكان الدم أرجح؛ لأنه لو أراد الحيض لكان أمرًا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه. ولأن سبب نزول الآية كما أخرج الإمام مسلم في “صحيحه” أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها فلم يؤاكلوها ولم يُشاربوها ولم يُجامعوها في البيت؛ فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية؛ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اصنَعُوا كلَّ شيءٍ إلّا النّكاح».

وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على إرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقًا لهم، قال العلامة ابن قدامة المقدسي في “المغني” (1/ 243، ط. مكتبة القاهرة):  ، قلنا: اللفظ يحتمل المعنيين، وإرادة مكان الدم أرجح، بدليل أمرين:
أحدهما: أنه لو أراد الحيض لكان أمرا باعتزال النساء في مدة الحيض بالكلية، والإجماع بخلافه.

والثاني: أن سبب نزول الآية، أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة اعتزلوها، فلم يؤاكلوها، ولم يشاربوها، ولم يجامعوها في البيت، فسأل أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية، فقال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» رواه مسلم في “صحيحه”؛ وهذا تفسير لمراد الله تعالى، ولا تتحقق مخالفة اليهود بحملها على إرادة الحيض؛ لأنه يكون موافقًا لهم، ومن السنة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اصنَعُوا كلَّ شيءٍ إلَا النّكاح»] اهـ.

وناقش الجمهور بأن قوله: «اصنَعُوا كلَّ شيءٍ إلَّا النّكاح» محمول على القُبلة ولمس الوجه واليد ونحو ذلك مما هو معتاد لغالب الناس؛ فإن غالبهم إذا لم يستمتعوا بالجماع استمتعوا بذلك لا بما تحت الإزار.

وأجاب الحنابلة ومَن وافقهم على ما استدل به الجمهور من حديث عائشة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرها فتتزر فيباشرها وهي حائض بأن هذا دليل على حلِّ ما فوق الإزار لا على تحريم غيره، كما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد يترك بعض المباح تقذُّرًا؛ كتركه أكل الضب والأرنب؛ قال العلامة ابن قدامة المقدسي في “المغني” (1/ 243، ط. مكتبة القاهرة):  اهـ.

كما أجابوا بأن الأحاديث الدالة على جواز كل شيء إلا الجماع منطوق، وما استدل به الجمهور مفهوم، والمنطوق أولى من المفهوم؛ قال العلامة ابن قدامة المقدسي في المرجع السابق نفسه:  اهـ.

ورد الجمهور بأنه لا يلزم أن يكون دليلهم مفهومًا، بل يحتمل أن يكون منطوقًا؛ فإن أبا داود أخرج عن عبد الله بن سعد أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما يحلّ لي من امرأتي وهي حائض فقال: «لَكَ مَا فَوقَ الإِزَارِ»؛ فقد سأل عن جميع ما يحل له من امرأته الحائض فقوله: «لَكَ مَا فَوقَ الإِزَارِ» معناه: جميع ما يحل لك ما فوق الإزار؛ ليطابق الجواب السؤال.

ولأنه لو سُلِّم أنه مفهوم، كان هذا المفهوم أقوى من المنطوق؛ لأنه يدل على المفهوم بطريق اللزوم لوجوب مطابقة جوابه صلى الله عليه وسلم لسؤال السائل، ولو كان هذا المفهوم غير مراد لم يُطابق فكان ثبوته واجبًا من اللفظ على وجه لا يقبل تخصيصًا ولا تبديلا لهذا العارض، والمنطوق من حيث هو منطوق يقبل ذلك فلم يصح الترجيح في خصوص المادة بالمنطوقية ولا المرجوحية بالمفهومية.
وللشافعية وجه بأن المباشر إن وثق بضبط نفسه عن الجماع المحرم فيجوز له وإلا فلا؛ قال الإمام النووي في “المجموع” (2/ 363):  اهـ.

فكان حاصل ذلك أن جمهور الفقهاء على حرمة مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة، وذهب الحنابلة وطائفة معتبرة من كل مذهب إلى جواز كل شيء إلا الجماع، وتوسط بعضهم فقالوا: يجوز إذا وثق بضبط نفسه عن الفرج.
وبناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإن الأصل في مباشرة الحائض فيما بين السرة والركبة الحرمة؛ خروجًا من الخلاف، لكن يباح لمن وجد مشقة في ذلك؛ لزيادة الرغبة في الاستمتاع بينهما، أو ضيق وقت اجتماعهما، فيجوز له أن يقلد مَن أجاز الاستمتاع بما بين السرة والركبة مع الامتناع عن الإيلاج في الفرج -فهو محرم بالإجماع-، شريطة أن يعلم من نفسه أنه قادرٌ على الامتناع عن الوطء المحرم بالإجماع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *