ثقافة الفتيات بالدورة الشهرية تجنبهن المتاعب

تفتقر الفتيات حول العالم للمعرفة الأساسية حول صحتهن الجنسية والإنجابية ويكافحن للحصول على مستلزمات الوقاية أثناء فترة الطمث، فيما تصارع الكثيرات منهن العديد من المحظورات المسلطة من المجتمع والتي تحيط بفترة الدورة الشهرية.
وتقول العراقية رسل (27 عاما) “كنت خائفة ومشوشة عندما جاءتني الدورة الشهرية أول مرة، وظننت أنني ارتكبت خطأً ما. كنت خائفة في البداية من أن أخبر أمي عن هذا التطور الذي حصل”، وهي التي أصبحت في السابعة والعشرين من عمرها الآن وتعمل مدربة في برنامج شبكة تثقيف الأقران في بعقوبة من محافظة ديالى شرق العراق.
وكانت رسل في الثالثة عشرة من عمرها عندما جاءها الطمث أول مرة، وكالكثيرات من فتيات العراق، تتذكر كيف شعرت بالارتباك خاصة في ضوء المعلومات القليلة التي كانت لديها عن هذا التغيير، بحسب تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان.
وقالت رسل “شعرت بالخجل ولم أعرف لمن ألجأ، إلا أنني ذهبت في النهاية إلى أمي وشرحت لها ما حصل. كانت الشخص الذي أذهب إليه عندما أحتاج إلى المساعدة. أتذكر أنني كنت مذعورة لأنه لم يخبرني أحد من قبل أن هذا كان سيحصل معي. لم أفهم ما كان يحصل، وكل ما كنت أفكر فيه هو كيف يمكنني الذهاب إلى المدرسة في اليوم التالي ومزاولة أعمالي اليومية”.
تفاجأت رسل عندما ساعدتها أمها بشكل فاق توقعاتها، قائلة “ابتسمت أمي وقالت لي: مبروك! لقد أصبحت الآن امرأة!”، حيث أجلست الأم ابنتها المراهقة وشرحت لها موضوع الدورة الشهرية قبل أن تعلمها كيفية استخدام الفوط الصحية.
وبعد مضي بضع سنوات، افتتح صندوق الأمم المتحدة للسكان مركزا اجتماعيا للمرأة في الحي الذي تقطنه رسل، حيث بدأت هي وصديقتها بحضور مختلف البرامج والجلسات التي يقدمها المركز. وتناولت إحدى الجلسات موضوع البلوغ، حيث ناقشت الباحثة الاجتماعية الحالة النفسية والعاطفية التي تمر بها النساء وقت الطمث، كما شرحت الآثار التي تتركها قلة أو انعدام المعلومات حول الدورة الشهرية على الفتيات اليافعات والتي تؤدي إلى شعورهن بالقلق والخزي والخجل والانعزال لعدة أيام في كل شهر.
وقالت رسل، وهي تستذكر اليوم الذي قررت فيه أن تصبح مدربة في شبكة تثقيف الأقران، “عرفت حينها أنني أستطيع أن أشارك بشكل فعال وإيجابي في المجتمع وأن أساعد اليافعين وخاصة الفتيات في قريتي”.
وختمت حديثها قائلة “أنا أؤمن بأن أفضل طريقة لنشر التوعية تكون من خلال مشاركة تجاربنا الخاصة. أردت أن يكون لي أثر إيجابي على مجتمعي يمتد بالوصول إلى الفتيات المستضعفات للتحدث معهن ومساعدتهن على التغلب على التحديات التي من المتوقع أن تواجههن وهن يكبرن”.
وأظهرت دراسة أن أكثر من ثلث الفتيات في جنوب آسيا يغبن عن المدرسة خلال الدورة الشهرية، فيما يشكل النقص في المراحيض ومحرمات ثقافية حول هذه المسألة عائقا أمام تربية الإناث، بحسب وكالة الأنباء الفرنسية.
وأظهرت الدراسة التي أعدتها “ووتر آيد” ومنظمة اليونيسف أن الكثير من الفتيات في المنطقة لا يعرفن شيئا عن الدورة الشهرية قبل أن يأتيهن الطمث. ولا تقدم الكثير من المدارس في المنطقة التي يزيد سكانها عن 1.7 مليار نسمة، ما يكفي من المراحيض للفتيات. يضاف إلى ذلك النقص في الحصول على الفوط الصحية، ما يعني أن الكثير من التلميذات يلزمن المنازل خلال الدورة الشهرية.
وقال تيم واينرايت، المدير التنفيذي لووتر آيد في بيان، “تملك الفتيات الحق في التربية ويفقدن هذا الحق عندما يشعرن بعجز عن حضور الصفوف بسبب نقص في المنتجات الصحية أو مراحيض نظيفة في المدرسة”. وأضاف “ينبغي على الحكومات أن تضمن توافر المياه النظيفة والمراحيض المناسبة وشروط النظافة”. وجاء في التقرير أن مرحاضا واحدا يتوافر لكل 170 فتاة في أحد أقاليم شرق نيبال.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بمرحاض لكل 25 فتاة. وأشار التقرير إلى أن ثلثي الفتيات لا يعرفن شيئا عن الدورة الشهرية قبل سن البلوغ. وتعتبر المرأة في وقت الطمث نجسة في بعض مناطق جنوب آسيا، وتُفرض قيود على تنقل النساء وعلى سلوكهن وعادات الأكل خلال هذه الفترة. وفي أفغانستان لا تستحم غالبية الفتيات خلال الدورة الشهرية مخافة الإصابة بالعقم. وفي غرب نيبال ترغم النساء على النوم في كوخ يكون بعيدا عن المنزل خلال الدورة الشهرية في عادة تسمى “شوبادي” وبات القانون يعقبها.
وتقوّض هذه المشكلات صحة وحقوق الفتيات، إذ أنه من الممكن أن يتعرضن للوصم أو يتغيبن عن المدرسة بسبب الصعوبة في إدارة نظافتهن الشخصية أثناء فترة الطمث. ومرت فايث بهذه التحديات، حيث قالت لصندوق الأمم المتحدة للسكان “كنت أكره الذهاب إلى المدرسة”.
وللتصدي لهذه المخاوف عقدت ندوة إدارة الصحة أثناء فترة الطمث مؤخرا بجوهانسبرغ في جنوب أفريقيا، وهي أول اجتماع من نوعه يُعقد في المنطقة. والهدف من هذه الندوة التي نظمها وزارة المرأة في جنوب أفريقيا بالاشتراك مع صندوق الأمم المتحدة للسكان هو كسر التابوهات وبناء التقاليد الإيجابية حول فترة لطمث.
وقالت وزيرة المرأة الجنوب أفريقية باثابيل دلاميني خلال الندوة، إن الحصول على منتجات النظافة الصحية والمعاملة الكريمة والتثقيف حول إدارة الصحة أثناء فترة لطمث هي “قضية حقوق إنسان لا بد لنا جميعا أن نناضل من أجلها”. وتابعت “لا بد أن نضع نهاية للوصم المتعلق بالدورة الشهرية في بيوتنا ومدارسنا وأماكن عبادتنا وكل الفضاءات الأخرى المهمة التي نعيش فيها”.
وأكدت دلاميني أن التقديرات تشير إلى أن واحدة من بين كل 10 فتيات في أفريقيا جنوب الصحراء يتغيّبن عن المدرسة خلال فترة ما قبل دورتهن الشهرية، مضيفة “تبيّن الأبحاث أن ما يصل إلى 7 ملايين من التلميذات في جنوب أفريقيا لا يقدرن على تكلفة الفوط الصحية”.
وأضافت “كيف يمكننا تمكين الفتيات حتى يعرفن أن الطمث ليس بالأمر الذي يشعرهن بالخزي. لا بد أن نوقف الوصم بسبب الدورة الشهرية في بيوتنا ومدارسنا وأماكن عبادتنا وكل الفضاءات الأخرى المهمة في حياتنا”.
وتحسين الصحة الجنسية والإنجابية يمكن أن يوفر عائدا كبيرا للاستثمار، بما في ذلك عن طريق زيادة مشاركة النساء والفتيات في التعليم والاقتصاد، لكن لا بد أولا من التصدي لعدد من التحديات الهائلة.
ومن جانبها قالت الدكتورة جوليتا أونابانجو، مديرة صندوق الأمم المتحدة للسكان لإقليم شرق وجنوب أفريقيا، “الحياة الجنسية الأفريقية أمر مغلف بالكثير من الكتمان.. لكن عدم الحديث عن الجنس يؤبد الوصم والتمييز. ويعد الحصول على التثقيف الجنسي أمرا حيويا للمعرفة حول الطمث وبالنسبة إلى الثقة في النفس”.
وبحسب أونابانجو “لا بد من إشراك الرجال والفتيان في إنهاء الوصم المرتبط بفترة الطمث، نريدهم حلفاء وداعمين”، كما لا يمكن إغفال الجوانب الصحية لهذه الفترة، حيث توضح أونابانجو “مع قيامنا بتطبيع فترة الطمث، فإنه لا بد لنا أن نتفهم الاضطرابات ذات الصلة”.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *