حكم قراءة القرآن وهبة الأجر للمتوفى

ما حكم الشرع في قراءة القرآن وهبة أجرها للمتوفى؟ أفادكم الله.

الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

جاء الأمر الشرعي بقراءة القرآن الكريم على جهة الإطلاق، ومن المقرر أن الأمر المطلق يقتضي عموم الأمكنة والأزمنة والأشخاص والأحوال؛ فلا يجوز تقييد هذا الإطلاق إلا بدليل، وإلا كان ذلك ابتداعًا في الدين بتضييق ما وسَّعه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

وعلى ذلك فقراءة القرآن الكريم عند القبر على الموتى قبل الدفن وفي أثنائه وبعده مشروعةٌ ابتداءً بعموم النصوص الدالة على مشروعية قراءة القرآن الكريم، بالإضافة إلى أنه قد وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآثـارٌ كثيرةٌ عن السلف الصالح في خصوص ذلك ذكرها الإمـام أبـو بكر الخلَّال الحنبلي  في كتابه “توضيح البيان لوصول ثواب القرآن”، وغيرهم مِمَّن صَنَّف في هذه المسألة.

1- فمِن الأحاديث الصحيحة الصريحة في ذلك:
ما رواه عبد الرحمن بن العلاء بن اللَّجْلَاجِ، عن أبيه قال: قال لي أبي -اللَّجْلَاجُ أبو خالد–: يا بُنَيَّ! إذا أنا متُّ فأَلْحِدْني، فإذا وضَعْتَني في لَحدي فقل: بسم الله، وعلى مِلَّة رسول الله، ثم سُنَّ عليَّ الثَّرَى -التراب- سنًّا –أي ضَعْه وضعًا سهلًا–، ثم اقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها؛ فإني سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقولُ ذلك. أخرجه الطبراني في “المعجم الكبير”، قال الهيثمي: ورجاله موثوقون.

وقد رُوي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر رضي الله عنهما. كما أخرجه الخلَّال في جزء “القراءة على القبور” والبيهقي في “السنن الكبرى” وغيرهما، وحَسَّنه النووي، وابن حجر.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا مات أحدُكم فلا تحبسوه، وأَسْرِعوا به إلى قبره، وليُقْرَأْ عند رأسه بفاتحة الكتاب، وعند رجليه بخاتمة سـورة البقرة في قبره» أخرجه الطبراني والبيهقي في “شعب الإيمان”، وإسناده حسنٌ كما قال الحافظ في “الفتح”، وفي رواية: «بفاتحة البقرة»، بدلًا من: «فاتحة الكتاب».
وفي المسألة أحاديث أخرى، لكنها واهية الأسانيد:

منها حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرَّم وجهه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَن مَرَّ على المقابر، وقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة، ثم وهب أَجره للأموات، أُعْطِيَ مِن الأَجر بِعَدَدِ الأموات» خرَّجه الخلَّال في “القراءة على القبور” والسمرقندي في “فضائل قل هو الله أحد” والسِّلَفِي.

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآلـه وسلم: «مَنْ دخل المقابر، ثم قرأ فاتحة الكتاب و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ و﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، ثم قال: اللهم إني قد جعلتُ ثوابَ ما قرأتُ من كلامِكَ لأهل المقابر مِن المؤمنين والمؤمنات، كانوا شُفَعاء له إلى الله تعالى» خرَّجه أبو القاسم الزنجاني في “فوائده”.

ومنها حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ دخل المقابر، فقرأ سورة يس، خفَّف الله عنهم، وكان له بِعَدَدِ مَن فيها حسنات» خرَّجه عبد العزيز صاحب الخلَّال.

قال الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي في جزئه الذي ألَّفه في هذه المسألة فيما نقله عنه الحافظ السيوطي في “شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور” (ص: 311، ط. دار المدني، 1372هـ-1952م):  اهـ.

2- وجاءت السنة بقراءة سورة (يس) على الموتى، في حديث معقل بن يسار رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «اقْرَءُوا (يس) عَلَى مَوْتَاكُمْ» رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.

قال الإمام القرطبي في “التذكرة” (1/ 286-287، ط. مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع):  اهـ.
قال الحافظ السيوطي في “شرح الصدور” (ص: 312):  اهـ.

وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في “الفتاوى الفقهية الكبرى” (2/ 27، ط. المكتبة الإسلامية):  اهـ.

3- كما جاء الشرع الشريف بقراءة سورة الفاتحة على المتوفى؛ وذلك لأن فيها مِن الخصوصية في نفع الميت وطلب الرحمة والمغفرة له ما ليس في غيرها؛ كما في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أُمُّ القرآنِ عِوَضٌ عن غيرها، وليس غيرُها عِوَضًا عنها» رواه الدارقطني وصححه الحاكم، وبَوَّب لذلك الإمام البخاري في صحيحه بقوله (باب قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى الْجَنَازَةِ)، وهذا أعَمُّ مِن أن يكون في صلاة الجنازة أو خارجها: فمِن الأحاديث ما يدل على أنها تُقرأ في صلاة الجنازة، ومنها ما يدل على أنها تُقرأ عند الدفن أو بعده كحديث ابن عمر السابق عند الطبراني وغيره، ومنها ما يدل بإطلاقه على القراءة على المتوفى في كل حال؛ كحـديث أم عفيف النهدية رضي الله عنها قالت: “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين بايع النساء؛ فأخذ عليهن أن لا تُحَدِّثْنَ الرَّجُل إلا مَحْرَمًا، وأَمَرَنَا أن نقرأ على مَيِّتِنا بفاتحةِ الكتاب” رواه الطبراني في “المعجم الكبير”، وحديث أم شريك رضي الله عنها قالت: “أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ” رواه ابن ماجه.

4- واستدل العلماء على قراءة القرآن عند القبر أيضًا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ مِنْ كَبِيرٍ» ثُمَّ قَالَ: «بَلَى؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَسْعَى بِالنَّمِيمَةِ، وَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ عُودًا رَطْبًا فَكَسَرَهُ بِاثْنَتَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى قَبْرٍ، ثُمَّ قَالَ: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» متفقٌ عليه.

قال الإمام الخطَّابي فيما أورده عنه الحافظ العيني في “عمدة القاري” (3/ 118، ط. دار إحياء التراث العربي):  اهـ.

وقال الإمام القرطبي في “التذكرة” (1/ 275-279):  اهـ.

وقال الإمام النووي في “شرح مسلم” (3/ 202، ط. دار إحياء التراث العربي):  اهـ.

5- وقد صلَّى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة الجنازة على القبر غير مرة كما جاء في “الصحيحين” وغيرهما، والصلاة مشتملةٌ على قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم والذكر والدعاء، وما جاز كله جاز بعضه.

كما أخذ العلماء وصول ثواب القراءة إلى الميت مِن جواز الحج عنه ووصول ثوابه إليه؛ لأن الحج يشتمل على الصلاة، والصلاة تقرأ فيها الفاتحة وغيرها، وما وصل كله وصل بعضه، وهذا المعنى الأخير وإن نازع فيه بعضهم إلَّا أن أحدًا مِن العلماء لم يختلف في أن القارئ إذا دعا الله تعالى أن يهب للميت مثل ثواب قراءته فإن ذلك يصل إليه بإذن الله؛ لأن الكريم إذا سُئِل أعطَى وإذا دُعِيَ أجاب.

6- وعلى ذلك جرى عمل المسلمين جيلًا بعد جيلٍ وخلفًا عن سلفٍ مِن غير نكير، وهذا هو المعتمد عند أصحاب المذاهب المتبوعة، حتى نقل شيخ الحنابلة الإمام موفق الدين بن قدامة الإجماعَ على ذلك في كتابه “المغني” (2/ 427، ط. هجر) فقال:  اهـ.

وكذلك نقل الحافظ شمس الدين بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي الإجماع على ذلك –كما سبق-، ونقله أيضًا الشيخ العثماني في كتابه “رحمة الأمة في اختلاف الأئمة” (ص: 72، ط. المكتبة التوفيقية)، ونص عبارته في ذلك:  اهـ.
ومن الآثار في ذلك عن السلف الصالح:

ما أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنَّف” عن الإمام الشعبي رحمه الله قال: “كانَتِ الأنصارُ يقرأون عند الميِّتِ بسورة البقرة”، وأخرجه الخلَّال في “القراءة على القبور” بلفظ: “كانت الأنصارُ إذا مات لهم مَيِّتٌ اختلفوا إلى قبره يقرأون عنده القرآن”.
وأخرج الخلَّال عن إبراهيم النخعي رحمه الله قال: “لا بَأْسَ بقراءةِ القرآنِ في المقابِر”.
وأخرج أيضًا عن الحسن بن الصَّبَّاح الزعفراني قال: سأَلْتُ الشافعيَّ عن القراءة عند القبور، فقال: “لا بَأْسَ بِهَا”.

وأخرج أيضًا عن عليِّ بن موسى الحداد قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دُفِن الميِّتُ جلس رجلٌ ضريرٌ يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا! إن القراءةَ عند القبر بدعةٌ، فلما خرجنا مِن المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله! ما تقول في مُبَشِّرٍ الحَلَبِيّ؟ قال: ثقة، قال –يعني أحمد–: كتبتَ عنه شيئًا؟ قال: نعم؛ أخبرني مُبَشِّرٌ عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه: أنه أوصى إذا دُفِن أن يُقْرَأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يوصي بذلك. فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ.

وأخرج أيضًا عن العباس بن محمد الدُّوري أنه سأل يحيى بن معين عن القراءة على القبر، فحدَّثه بهذا الحديث.

وقد نص أصحاب المذاهب المتبوعة على ذلك:

– فجاء في “الفتاوى الهندية” على مذهب السادة الحنفية (1/ 166، ط. دار الفكر):  اهـ. وذكر أن ذلك قول الإمام محمد بن الحسن رحمه الله، وأن مشايخ الحنفية أخذوا به.

– وأما السادة المالكية: فالمحققون منهم -وهو المعتمد عند متأخِّريهم- على جواز ذلك وأن ثواب القراءة يصل إلى الميت، ففي “حاشية العلامة الدسوقي على الشرح الكبير” (1/ 423، ط. دار الفكر):  اهـ.

وجاء في “النوازل الصغرى” لشيخ الجماعة سيدي المهدي الوزَّاني المالكي:  اهـ. ونقله عن كثيرين من أئمة المالكية؛ كأبي سعيد بن لُبٍّ، وابن حبيب، وابن الحاجب، واللخمي، وابن عرفة، وابن المواق، وغيرهم.

– أما السادة الشافعية: فقد قال الإمام النووي في “المجموع” (5/ 311، ط. دار الفكر):  اهـ.

وقال في “الأذكار” (1/ 288، ط. دار ابن حزم):  اهـ.

وقال في “رياض الصالحين” (1/ 295، ط. مؤسسة الرسالة):  اهـ.
– وكذلك السادة الحنابلة؛ صرحوا بجواز ذلك.

قال العلامة المرداوي في “الإنصاف” (2/ 557، ط. دار إحياء التراث العربي):  اهـ.

والمتصفح لكتب السير والتراجم والتواريخ يرى عمل السلف على ذلك وتتابع الأمة عليه مِن غير نكير، بما في ذلك السادة الحنابلة وأصحاب الحديث، ويكفينا في ذلك ما ذكره الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (18/ 547، ط. مؤسسة الرسالة) في ترجمة أبي جعفر الهاشمي الحنبلي  اهـ.

حتى إن الشيخ ابن تيمية -وهو الذي ادّعى أن قراءة القرآن على القبر بدعةٌ مخالفًا بذلك ما عليه عمل السلف والخلف ومخالفًا جدَّه الحافظ عبد الغني بن محمد بن الخضر بن تيمية  في كتابه “إهداء القُرَب إلى ساكني التُّرَب”- قد ذكر أهل السير في ترجمته أن الناس اجتمعوا لختم القرآن له على قبره وفي بيوتهم كما ذكره ابن عبد الهادي الحنبلي وغيره، والتاريخ محنة المذاهب كما يقولون.

وبِناءً على ذلك: فقراءة القرآن على الموتى وهبة أجرها إليهم هي مِن الأمور المشروعة التي وردت بها الأدلة الصحيحة مِن الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة وأطبق على فعلها السلف الصالح وجرى عليها عمل المسلمين عبر القرون مِن غير نكير؛ سواء كان ذلك حال الاحتضار، أو بعده، أو عند صلاة الجنازة، أو بعدها، أو حال الدفن، أو بعده، ومَن ادَّعى أنه بدعةٌ فهو إلى البدعة أقرب، ولا يجوز إنكارها بعد معرفة مشروعيتها.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *