ما عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته؟

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾  ؛ فهل تدل هذه الآية على أن الرجل ليس له أن يطلق زوجته إلا مرتين فقط؛ فإن طلقها مرتين فلا يحق له إرجاعها؟

الجواب : الأستاذ الدكتور / شوقي إبراهيم علام

حث الإسلامُ على استقرار الأسرة، وأمر أتباعه بأن يقيموها على الحب والمودة؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾  .

ومن كمال الشريعة الإسلامية مشروعيةُ الطلاق بين الزوجين إذا استحالت العشرة بينهما، ويكون هذا بالمعروف؛ قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾  .
ومن منطلق حفاظ الإسلام على الأسرة لم يجعل انتهاء الحياة الزوجية قائمًا على طلقةٍ واحدةٍ أو طلقتين؛ لِئلا تنتهي الحياة الزوجية بسهولة، ولِاحتمال صلاح حال المعوج منهما معًا أو من أحدهما بعد الطلقة الأولى أو الثانية؛ لذلك كان انتهاء الحياة الزوجية بثلاث طلقات، فمَن طلَّق زوجته طلقتين يجوز له أن يراجعها بالشروط المعتبرة في الرجعة على أن تبقى له طلقةٌ ثالثةٌ وتكون هي الأخيرة، وهذا هو المراد من قول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾  .

ومناسبة نزول هذه الآية أن أهل الجاهلية لم يكن لطلاقهم حَدٌّ؛ فكان الرجل يطلق زوجته ثم يراجعها قبل انتهاء عدتها، ثم يفعل ذلك المرة بعد المرة بقصد مضارّة المرأة.

قال الإمام الطبري في تفسيره “جامع البيان” في مناسبة نزول هذه الآية (4/ 538-539، ط. مؤسسة الرسالة):  اهـ.

وحيث قد تقرر شرعًا أنه لا يصح النظر إلى النص مقطوعًا عن سياقه، وأن فقهاء المسلمين قد فهموا النص القرآني الفهمَ الصحيحَ بالنظر إلى كامل سياقه وما يحيط به من أدلةٍ أخرى كالحديث النبوي وغيره، فقد فسَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم المراد من الآيات الكريمات فيما رواه الإمام عبدالرزاق في “مصنفة” عَنْ أَبِي رَزِينٍ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾؛ فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ: «﴿إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هِيَ الثَّالِثَةُ»، وطبَّقه أيضًا فيما أخرجه الإمام الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما حين طلّق زوجته أنه قال: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْتَ لَوْ أَنِّي طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا؛ كَانَ يَحِلُّ لِي أَنْ أُرَاجِعَهَا؟ قَالَ: «لَا؛ كَانَتْ تَبِينُ مِنْكَ وَتَكُونُ مَعْصِيَةً».

وعلى هذا جَرَى فَهمُ علماء الأمة من المفسرين؛ قال الإمام الكيا الهراسي في “أحكام القرآن” (1، 165، ط. دار الكتب العلمية، بيروت):  اهـ.
وقال الإمام البغوي في “معالم التنزيل في تفسير القرآن” (1/ 269، ط. دار طيبة للنشر والتوزيع):  اهـ.

وهو ما نص عليه فقهاء الأمة المتبوعين واستقرت عليه مذاهبهم؛ قال الإمام السرخسي الحنفي في “المبسوط” (6/ 5، ط. دار المعرفة، بيروت):  اهـ.

وقال أيضًا في “المبسوط” (6/ 9):  اهـ.

وقال الإمام القرافي المالكي في “الذخيرة” (4/ 316، ط. دار الغرب الإسلامي، بيروت):  اهـ.

وقال الإمام عبد الوهاب بن علي بن نصر الثعلبي البغدادي المالكي في “المعونة على مذهب عالم المدينة” (ص 826، ط. المكتبة التجارية، مصطفى أحمد الباز، مكة المكرمة):  اهـ.
وقال الإمام الشيرازي الشافعي في “المهذب” (3/ 5، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ.

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في “الكافي” (3/ 108، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ.
واتفقت على ذلك كلمةُ الفقهاء؛ أن للرجل أن يطلق زوجته مرةً ويرجعها، ثم مرةً أخرى ويرجعها، فإن طلقها الثالثةَ فلا تحل له من بعدُ حتى تنكح زوجًا غيره؛ قال الإمام ابن رشد في “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” (3/ 83، ط. دار الحديث، القاهرة):  اهـ.

وقال الإمام ابن حزم الظاهري في “مراتب الإجماع” (ص: 72، ط. دار الكتب العلمية، بيروت):  اهـ.

وبناءً على ما سبق بيانُهُ: فإن للرجل على زوجته في الشريعة الإسلامية ثلاث طلقات؛ بحيث يجوز الرجوع بعد الطلقتين الأولى والثانية، فإن طُلِّقَت الثالثةَ فلا تَحِلُّ له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره بالشروط المعتبرة لذلك شرعًا، والقول بغير ذلك مخالفٌ لما عليه فَهمُ علماء الأمة سَلَفِهَا وخَلَفِهَا من المفسرين والفقهاء المجتهدين، بل هو من الابتداع في الدين، وتحريفٌ للنص عن مراد الشارع، فلا تجوز متابعته بحالٍ.
والله سبحانه وتعالى أعلم

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *