هل قراءة الروايات تتلف العقول ؟

كانت تبتسم وهي تقلب صفحات شاشة اللوحة الإلكترونية بين يديها، تنظر من حين لآخر عبر زجاج نافذة الحافلة المهترئة، تنزعج من فوضى الأصوات التي تعكر صفو قراءتها الهادئة الحالمة، تذوب مع الألحان التي تعزفها السماعات من هاتفها الذكي، تخلط المكونات جميعاً في لحظة مصطنعة من المشاعر، تمزج الألحان بالكلمات ومناظر الشوارع التي تجري خلف النافذة، فتحس لوهلة أنها انتقلت إلى عالم تحبه وتنتمي إليه، إنه العالم الذي تريده أن يكون، والذي قد لا يوجد مطلقاً.

ولكن لا ضير من طَرق أبواب الجمال المعنوي، والعيش لثوانٍ خارج إطار الواقع، وداخل فقاعة الخيال التي لا تنفجر إلا عندما يدق السائق على باب الحافلة، فتتذكر أنها بلغت محطة الواقع فتخرج من الفقاعة بقدميها، وتترك وجدانها هناك، عائماً في برزخ من الأحلام والآمال، التي توقن صدقاً بداخلها أنها لن تتحقق يوماً، لكنها تتمسك بجمال حلمها وأملها أن تتحقق يوماً، هكذا مثل معجزة، أو كمفاجأة سارة من دون سابق إنذار.

هذه الموهبة خلاقة، صناعة مشهد مكتمل الأركان من الخيال فقط، بحيث يؤثر هذا الخيال على الواقع الحسي بشكل ملموس، فيتحول المشهد من رغبة أولية إلى مشهد حيّ في المخيلة، إلى تصرفات لا تتناسق مع الواقع، ونتائج تتناقض غالباً مع التوقعات، وهاهنا تلعب هذه المشاهد دور المخدرات ذات الهلوسة العالية، بحيث ينتج كل تناقض نكسة للمستهلك؛ ليتحول لتصورات أخرى جديدة يشعر فيها بطعم النشوة الأولى، فيغرق في دائرة مغلقة تتعب فيها نفسيته بين مشهد وآخر، دون أن يقدر على الامتناع عن أخذ الجرعة الموالية، تماماً كما تفعل المخدرات.

وهنا بالضبط سر الانتشار الواسع لروايات قد يكون معظمها مكرراً لفظاً ومعنى، لكن من ينتج مثل هذه الأعمال يفهم ذلك المبدأ جيداً، بل يفهم أكثر من ذلك، أن “التناوب” هو “النسبة الفضية” التي تجعل بين كل نهايتين تعيستَين نهاية سعيدة؛ ليعيش “القارئ المعاصر” أملاً دائماً بأن المخدر القادم قد يكون أقوى وأكثر متعة وإسعاداً، إنها ببساطة سوق الروايات الجديدة.

هذه السوق -إذ نسميها جديدة- لا نقصد أنها ظهرت حديثاً، فإنه يبدو لمتصفح التاريخ الأدبي قديماً وحديثاً، أن هذا النوع من الأسواق كان موجوداً، لكنه جديد من حيث ضحاياه، لقد أصبح ضحاياه ظاهرة جديرة بالدراسة، في عصر شاع فيه الإدمان بمختلف أنواعه، وندر من يتفطن للعواقب الوخيمة التي تضعف العقول والقلوب والتي لا يربح منها سوى المتاجرين باسمها.
ففي حين تربو أموالهم دون أن يقرأوا حرفاً مما نشروه، يصارع المستهلكون البسطاء نفسياتهم المتذبذبة؛ ليفشلوا في الحياة العملية ويتبلد إحساسهم بالواقع والوجود.

كم من القراء الوهميين الذين اتخذوا مواقف عدائية ضد جماعة من الناس؛ لأنهم قرأوا في رواية أنهم قتلة أو أشرار، وكم منهم من رفض الارتباط بعقد الزواج ميثاقاً غليظاً؛ لأنه صدم بقصص الخيانات المعقدة التي تصورها له تلك القصص الخيالية، بل كم ممن اختاروا الكآبة عنواناً لحياتهم التي لا ينقصها شيء، فقط لأنهم صاروا يستبعدون أن تستمر السعادة طيلة العمر فقد وعوا ذلك من إحدى الحكايات غير المنطقية.

كم ممن أصيب بأمراض نفسية جراء متابعته لسلسلة من أجزاء روايات من الفانتازيا المرهقة، كم ممن توغلوا في قضايا عقائدية شائكة، ومن صنعوا قوقعة افتراضية حول حياتهم، فاستوحشوا بها من أنفسهم ومحيطهم معاً، بل كم ممن أوغلوا في الاعتداد بأنفسهم بما وصلوا إليه من “معارف راقية عن مستوى مجتمعهم الضعيف فكرياً”، وكثيرون هم من غرقوا في أمواج متلاطمة من الأفكار المشككة في كل شيء، كل ذلك من حيث لا يعلمون، ذلك أن منتجي هذه الأعمال يدركون أهم قواعد المتاجرة الاحترافية بالكلمات، وهي أن يصبغوا الكلمات بالمشاعر، وليس العكس، فيغيب المعنى المطلوب في الشعور اللاإرادي للقارئ حتى يصبح بمثابة المسلّمات عنده، وبالمقابل فإنه يتعاطف مع الكلمات ويؤوّلها على أحسن ما يظن، ممارساً بذلك سياسة الكذب على نفسه، وقمع شعوره الدائم بالتساؤل حول تصرف معين ارتكبته شخصية معينة في الرواية، ويقمع بذلك حقه في التعبير عن رأيه أمام نفسه، والنفس تتطبع على ما تعودها عليه، فيتحول تدريجياً إلى مستهلك “يتفهم” سلوك كل شخصية في الرواية، خاصة إن كانت الشخصية “بطلاً رئيسياً” أو “كاريزما” مميزة تجعل القارئ متعاطفاً معه مهما فعل، حتى يتحول إلى آلة تفهم بالضبط ما يريدون إيصاله لها دون زيادة أو نقصان.

هكذا يلعبون على وتر الكلمات، ويوصلون الرسائل في شكل سلوك يتغلغل تدريجياً في شخصية الإنسان ليفرغه رويداً رويداً من جوهره ويغيره إلى شخص آخر من حيث لا يدريٍ.

والأمثلة على ذلك لا تكاد تحصى، وأبسطها أن يتعود القارئ على سلوكيات محددة بقوم بها أبطال القصص المشوقة التي يتابعها باهتمام، فيعذر سكره وثمالته، أو يعذر مجاهرته بتصرفات غير أخلاقية، ويتعاطف معه إن فشل في علاقة غير مشروعة، وقد يحزن إن خسر أمواله التي يعلم قارئنا أنه كسبها بطرق غير قانونية مثلاً، وهكذا يقول لنفسه إن هذه الشخصيات ستظل حبيسة الورق، وأن كل ما يفعله هو تبنيها إلى حين، لكن ذلك خطأ فادح وشائع.

إن الالتزام بقراءة رواية بمواصفات تنشر أفكاراً هدامة ولو بطريقة غير مباشرة، لهي قادرة على قلب حياتك كلها رأساً على عقب.

وقد يتساءل أحدهم قائلاً: لكن هذا الخطر ليس مقتصراً على هذا النوع من الروايات فقط، فإن الأفلام أصبحت أكثر انتشاراً، وفيها تصوير ملموس لكل ما قد يتخيله القارئ من الكتاب وحده؟

ثم إنه ليس كل القراء هكذا، فمنهم من يحسن انتقاء المعلومات التي يريدها من الروايات، وقد يوظفها لتحسين مستواه الأدبي أو اللغوي أو التواصلي، دون أن يخل بكينونته، بل قد يزيد ليقول: وهل كل مصدر لكتاب يكون بالضرورة قد خطط لكل

هذا ونسج “مؤامرة” ما ليوقع ضحاياه في شباك صيده؟
وكل تلك الأسئلة جديرة بالطرح والمناقشة، فإذا سلمنا بأن التلفاز ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تقدم هذه المشاهد بدون أدنى جهد، وتحولها إلى واقع محسوس، وذلك صحيح، لكن ما يعلمه الكثيرون هو أن معظم تلك الأفلام الناجحة هي وليدة روايات ناجحة بعضها جيد وبعضها من الصنف الذي تم وصفه آنفاً، بل إن كل تلك الأعمال إنما هي بنات جهد في الكتابة وانتقاء المعلومات المراد إيصالها بعناية.

والأكثر من ذلك هو أن الأفلام لا تفعل ما تفعله الروايات، إن الأفلام تقدم مشاهد محدودة، بينما تقدم الروايات عشرات التصورات للمشهد الواحد، مما يجعل القارئ يعملها في فكره تلقائياً عدة مرات، قد تسبب له الإجهاد العقلي إن كانت معقدة أو حزينة جداً أو سعيدة جداً، كما أن مدة ما يعيشه المتفرج مع الفيلم قصيرة مقارنة بالمدة التي يعيشها مع رواية معينة، ناهيك عن أثرها الذي يعيش معه أياماً أو أسابيع أخرى بعد إنهائه قراءتها.
وهناك عنصر جوهري آخر يسمى: كمية “المشاعر المستنزفة”.

إن الأفلام تسوق لمشاعر جاهزة تتطلب من المشاهد جهداً أقل في استيعابها، بينما الروايات التي تحتوي زخماً من التناقضات أو المشاعر المتضاربة الجياشة تتطلب جهوداً مضاعفة لاستيعاب جميع عناصر المشهد، فتستنزف بذلك طاقة القارئ ومشاعره، ومما لا شك فيه أنه سيشعر بإرهاق بعد قراءته لفصل صغير، هذا ليس تنشيطاً للخيال والذاكرة، إن مثل هذا هو إهدار لطاقات فيما لا يستحق، ولا يمكن نسيان مساحة الخصوصية التي تمنحها له الرواية في العقل بحيث يقلب القارئ المشاهد كما يريدها هو وقد يحمل النص أحياناً ما ليس موجوداً فيه فقط؛ ليتمم جزئية يراها ناقصة في فقرة ما، وهذا ما تتقنه مثل هذه الروايات التجارية ذات العناوين المصطنعة البراقة، تصنع للقارئ فرصة القيام بأمور لا يمكنه -أو يتحرج- من فعلها في الواقع، بفتح ثغرات يمكن أن لا يكون فكر فيها من قبل، وهكذا بجرعات إفساد صغيرة ومتتالية، حتى تنكت نكتة سوداء.. في كيان القارئ، أما أن يقال إن القارئ الحاذق يقرأ بذكاء ما يناسبه من أجزاء مثل هذه الروايات فهذا لعب على العقول الضعيفة، وخداع للبصائر المطموسة، فإن مصادر المعارف والآداب العالمية الرصينة تغني عن كثير من الفساد الأخلاقي والنفسي الذي تروج له غالبية تلك الروايات، والقارئ الحصيف الحق هو من يحسن اختيار مصادر معرفته صوناً لعقله وقلبه ونفسه، والبدائل أعظم من أن تحصى.
أما مسألة الفضول فهي شيء آخر قد يجرف إلى الهاوية، ولو أن كل من انتابه فضول أشبعه لتعطلت مصالح الناس.
أما من يقول إن كثيراً من الروايات قد يكون غير مخطط له، فإن الأجدر به أن يسأل إن كان المرض دالاً على سببه؟ وإن كان يعذر الجراح المبتدئ على خطئه؟ فإن النتيجة وإن تعددت الأسباب واحدة، والكيس من اتقى أسباب الأمراض ليغنم العافية، وإن كان كثير منها قد درست تفاصيله بشكل دقيق ينبئ عن توجهاته غير الهادفة.
إن كل ما سبق تفسيره ليس تحليلات نفسية معمقة بقدر ما هو دراسة لداء ظن الناس انتشاره خيراً عميماً، فلم يراقبوا أو يشعروا بميل مسار نفوسهم قليلاً كان أو كثيراً، فإن القليل يسوق إلى الكثير ويسول له، وإنه لا يكفي لكل واحد سوى قراءة نموذج عن مثل تلك الروايات فيعرف أصل الداء واضحاً، فلا يحتاج إلى الانجراف النهم وراء الواحدة تلو الأخرى منها.
وبهذا فإن طرح مشكلة القارئ الوهمي الجديد للروايات “التجارية”، وإن كانت تستحق اهتماماً أكبر، فإنه يظل -من خلال تبيين خطورته- تذكيراً بأهمية الروايات الهادفة البناءة التي تصقل الشخصيات وتنمي المهارات وتدفع بالشباب والقراء إلى عالم الإبداع والخير والأخلاق العالية والصفات الإنسانية النبيلة، وتحفزه على البذل والطموح والإنجاز في مختلف الميادين، وسد جوع العقول والقلوب لمثل هذه النماذج الأصيلة يقع على عاتق كافة المبدعين الشباب وذوي الخبرة؛ لنجعل الخيال الجامح سلاحاً بنّاء لنا لا هداماً علينا، وعلى عاتق المبادرين إنقاذ الروايات من متاهات لضحك على العقول وإنجازها بحرص وجمال وصدق؛ لتكون رسائل بناءة من جديد.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *