دار الإفتاء : تناول الجمبري حلال شرعاً

لهن - أفتى محمد عظيم الدين رئيس مفتي المدرسة الدينية في جاميا نيزاميا الهندية، منذ أيام بحرمة أكل الجمبري البحري.

وقالت صحيفة “ديلي ميل” البريطاني، إن عظيم الدين الذي يعد من أبرز رجال الدين الإسلامي في الهند، قال إن الجمبري من المفصليات، وهو قريب من الحشرات، ولا يجب تناوله ، وشدد عظيم الدين على أن تناول الجمبري حرام ومحظور.

وتسببت الفتوى في حالة من الصدمة داخل أوساط بائعي المأكولات البحرية؛ لكون الجمبري من أهم المأكولات البحرية في الهند، ويعد الجمبري من أهم الأطباق الشعبية والأكثر استهلاكًا في الهند، وكانت فتاوى عديدة قد سمحت بأكله.

وعن حكم تناول الجمبري أصدرت أمانة الفتوى بدار الإفتاء المصرية بياناً على الموقع الإلكتروني مفادة :

الجمبري: حيوان مائي صغير لا فقاري من القشريات، يتنوع إلى حوالي ألفي نوع، وهو معروف.
وكلمة “جمبري” في الأصل كلمة إيطالية سَرَتْ حديثًا مع غيرها مِن الألفاظ الإيطالية إلى لهجة أهل مصر كما ذكره غير واحد مِن المصنفين؛ منهم عبد الرحمن بدوي في “سيرة حياتي” (1/ 12- 13، ط. المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، وواحده بالإيطالية: جامبيري (gamberi) وجمعه: جامبيرو (gambero)، وقد نص على ذلك المستشرق رينهارت آن دُوزِي (ت 1300هـ) في “تكملة المعاجم العربية” (8/ 387، ط. وزارة الثقافة العراقية) فقال:  اهـ.

ويُسَمَّى في بلاد المغرب العربي باسم “القَمرون”، وهي تسمية مغربية قديمة؛ ينسبها العلَّامة ابن البيطار في القرن السابع الهجري لأهل الأندلس في كتابه “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية” (2/ 146، ط. سونثيمر)، وما زالت هذه التسمية مستخدمة عند أهل المغرب حتى الآن، وهي لهجة أندلسية، وفي اللغة الأسبانية القشتالية  camarón عن الكلمة الرومية (cammărus)، وترى بعض المراجع الأجنبية أن الكلمة الإيطالية والرومية يرجع أصلهما لكلمة (κάμμαρος) اليونانية.
وكان “الجمبري” يُسَمَّى عند أهل مصر قديمًا “بالقُرَيْدِس”، كما نص عليه ش

يخُ العشَّابين في الديار المصرية العلَّامة أبو محمد بن البيطار (ت646هـ) في كتابه “الجامع لمفردات الأدوية والأغذية” (2/ 146) حيث يقول:  اهـ، بل وينقل العلَّامة ياقوت الحموي (ت626هـ) في “معجم البلدان” (2/ 53، ط. دار صادر) هذه التسمية عن الحسن المهلبي (ت380هـ) صاحب “المسالك والممالك” عن صاحب “تاريخ تِنِّيس”؛ حيث عدَّ “القُرَيْدِس” ضمن تسعة وسبعين نوعًا من أنواع السمك المعروفة في مدينة “تِنِّيس” بالديار المصرية، وما زالت هذه التسمية باقيةً حتى الآن عند أهل الشام.

وظهر شبه هذه التسمية في كثير من اللغات؛ كاللغة التركية (karides) والفرنسية (crevettes)، وقد جعل لويس معلوف أصل هذه الكلمة يونانيًّا؛ فقال في “المنجد” في اللغة (ص: 619، ط. المطبعة الكاثوليكية):  اهـ.

بينما استظهر غيره أنها تصغير “قُرْدُوس”؛ والقَرْدَسةُ في اللغة: الشدة والصلابة؛ كما هو ظاهر صنيع بطرس البستاني في “محيط المحيط” (ص: 725، ط. مكتبة لبنان)، وانظر: “تكملة المعاجم العربية” لرينهارت دوزي (1/ 108، هامش (141)، ط. وزارة الثقافة والإعلام العراقية)، تحقيق: د. محمد سليم النعيمي.

وقد يُسَمَّى “الجمبري” بأسماء أخرى؛ منها:
- “الجراد البحري” كما نقله العلَّامة ابن البيطار في “الجامع” (1/ 22) عن بعضهم.
- و”برغوث البحر”؛ حيث نقل لويس معلوف في “المنجد” (ص: 34)، وجبران مسعود في معجم “الرائد” (ص: 170، ط. دار العلم للملايين) أنَّ  اهـ.

- و”أبو جلنبو”؛ حيث ذكر العلامة الأنطاكي في “تذكرته” (1/ 175، ط. المطبعة الميمنية سنة 1308هـ) أنَّ الروم تُسَمِّيه بذلك.
واسم “الجمبري” في اللغة العربية الفصحى -كما هو في معاجم اللغة العربية قديمًا وحديثًا-:  اهـ، كما نص عليه ابن قتيبة في “أدب الكاتب” (ص: 392، ط. مؤسسة الرسالة)؛ وهو إما على وزن (إِفْعِلَان) من (ربو) والهمزة والألف والنون زوائد، وعليه جرى سيبويه -فيما نقله الحافظ السيوطي في “المزهر” (2/ 59، ط. دار الكتب العلمية)- وابنُ قتيبة في “أدب الكاتب” (ص: 596)، وإما على وزن (فِعْلِيَان) من (أرب) والياء والألف والنون زوائد، وعلى الوجهين جرى صاحب “القاموس المحيط” حيث ساقه في المادتين كلتيهما.
ويقال له “الرُّوْبِيَانُ” أيضًا؛ كما سمَّاه بذلك أبو بكر بن زكريا الرازي (ت313هـ) في “الحاوي” في الطب (6/ 176، ط. دار إحياء التراث العربي)، والرئيسُ أبو علي بن سينا (ت428هـ) في “القانون” في الطب (1/ 669)، والعلامة ابن البَيْطار (ت646هـ) في كتابه “الجامع” (2/ 146)، والإمام الرضيُّ الاستراباذي (ت686هـ) في “شرح الشافية” (2/ 343، ط. دار الكتب العلمية)، والإمام الدَّمِيري (ت808هـ) في “حياة الحيوان” (1/ 514، ط. دار الكتب العلمية)، والعلامة داود الأنطاكي (1008هـ) في “تذكرة أولي الألباب” (1/ 43)، وصرَّح بصحة هذه التسمية؛ فقال:  اهـ.
ويُسَمِّيه “بالرُّوبِيان” أهلُ الخليج والعراق حتى الآن.

فتحصَّلَ مِن ذلك يقينًا: أنّ “الجمبري” -المعروف بين الناس “بالقُرَيْدِس” و”القَمرون”، وباللغة الإنجليزية (Shrimp) و(Prawns)- هو عينُه “الإِرْبِيَانُ” و”الرُّوْبِيَانُ” المنصوصُ عليهما في كتب السابقين من أهل اللغة والفقه والحيوان والطب وغير ذلك، كما يُعْلَم مِن النقل السابق عن العلَّامة ابن البيطار، وكما يُعْلَمُ مِن وصف “الإِربِيان” و”الرُّوبِيَان” في كتب السابقين؛ حيث يصفه الصاحب بن عباد بأنه:  اهـ، إلى غير ذلك من النصوص التي يأتي سياقها عند الكلام على عدِّ “الجمبري” نوعًا من السمَك في اللغة والعرف، وهذا بغض النظر عن التفرقة الاصطلاحية الحادثة التي قد تُستخدم للتفرقة بين بعض أنواعه؛ كتسمية الكبير منه “بالقُرَيْدِس” والصغير “بالروبيان”.
وهذا أيضًا ما صرحت به المعاجم العربية الحديثة:

جاء في “تكملة المعاجم العربية” للمستشرق رينهارت آن دُوزِي (8/ 221) عند وصف “القُرَيْدِس”:  اهـ.
وجاء في “محيط المحيط” لبطرس البستاني (ت1300هـ) (ص: 725):  اهـ.
وفي “المنجد في اللغة” للويس معلوف اليسوعي (ت1365هـ) (ص: 8، ط. المطبعة الكاثوليكية):  اهـ.
وفي “معجم الرائد” لجبران مسعود (ص: 630، ط. دار العلم للملايين):  اهـ.

وفي “معجم الألفاظ الزراعية” لمصطفى الشهابي (ص: 197، ط. مكتبة لبنان):  اهـ.

وقد نص أهل اللغة على عَدِّ “الإِرْبِيَان” نوعًا مِن أنواع السَّمَك بلا خلاف بينهم في ذلك؛ فالجاحظ (ت255هـ) في كتاب “الحيوان” (4/ 311، ط. دار الكتب العلمية) يسوقه في أصناف السَّمك، وقال أبو بكر بن دريد (ت321هـ) في “جمهرة اللغة” (3/ 1236، ط. دار العلم للملايين):  اهـ.

بل نقل الإمامية ذلك في كتبهم عن الإمام الحسين السبط رضي الله عنه (ت61هـ)، وموسى الكاظم رحمه الله (ت183هـ)؛ حيث أورد العلامة العاملي في كتابه “تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة” (24/ 141-142، ط. مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث): عن الإمام أبي عبد الله الحسين عليه السلام “أن رجلًا سأله عن الإِرْبِيَان، وقال هذا يُتَّخَذُ منه شيءٌ يُقال له “الرِّبِّيثا”، فقال: “كُلْ؛ فإنه مِن جنس السمك”، ثم قال: “أمَا تَراها تَقَلْقَلُ في قشرها”، وعن الإمام أبي الحسن موسى الكاظم أنه قيل له: ما تقول في أكل الإِرْبِيَان؟ فقال: “لا بأس بذلك، والإِرْبِيَانُ ضَرْبٌ مِن السمك”.

وقد نص السادة الحنفية على إباحة أكل جميع أنواع السمك، من غير تفريق بين نوعٍ ونوع، قال الإمام السرخسي في المبسوط (11/ 248، ط. دار المعرفة):  اهـ.
وعلة القول بإباحة أنواع السمك المختلفة عند الحنفية: اندراجُها تحت اسم “السمك” في اللغة، قال العلامة العيني الحنفي في “البناية شرح الهداية” (10/ 730، ط. دار الفكر):  اهـ.

بل نقل الإمام الكاساني الحنفي الإجماع على حل جميع أنواع السمك من غير فرق بين نوع وآخر؛ فقال في “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع” (5/ 36، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ.

ونقل الإجماعَ على إباحة السمك بكلِّ أنواعه كذلك غيرُ واحد من العلماء:
قال الإمام النووي في “شرح مسلم” (13/ 86، ط. دار إحياء التراث العربي):  اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (9/ 619، ط. دار المعرفة):  اهـ.
فكلُّ ما كان من جنس السمك لغةً وعرفًا فهو حلالٌ عند الحنفية بلا خلاف في ذلك، وجاء في نصوص علمائهم التصريحُ بحلِّ أكل الرُّوبِيَان بخصوصه مع غيره مِن أنواع السمك بلا خلاف؛ لدخوله في مُسمَّى “السمك” لغةً وعُرفًا، وسبق سياق نص العلامة الفيروزآبادي -وهو من علماء الحنفية- على أن الإِرْبِيَان مِن السمك.

وهذا هو ما عليه العمل والفتوى لدى علماء الحنفية في الديار الهندية والباكستانية وغيرها.
وأجمعُ مَن تكلَّم مِن متأخري الحنفية على حكم أكل الإربيان: هو العلامة الشيخ أحمد رضا خان البريلوي الحنفي (ت1340هـ)؛ فإنه حقق في “فتاواه” القولَ بحله على مقتضى إطلاق المتون، غير أنه أفتى بأولوية التورع عنه خروجًا من الخلاف فيه:
جاء في كتابه الحافل “العطايا النبوية في الفتاوى الرضوية” (ص: 333- 337، ط. رضا فاؤنديشن، لاهور 1994م) مع الترجمة العربية:  انتهى النقل عن “الفتاوى الرضوية”.
وهذه النقول التي ساقها العلامة أحمد رضا خان رحمه الله تعالى تقتضي حل الإربيان عند الحنفية، وأما ما يوهم التحريم أو نقل الخلاف فيه فلا مُعَوَّلَ عليه، ويحتاج إلى تحرير القول فيه على الوجه الآتي:
- إن ذكر الخلاف في حل الإربيان عند الحنفية غيرُ معتمَد؛ فإن صاحب “الفتاوى الحمادية” -وهو أبو الفتح ركن الدين الناكوري الحنفي- إنما نقل ذلك عن “كنز العباد”، ونصُّ عبارة “الحمادية” (ص: 778، ط. در آمد): “مِن “كنز العُبَّاد”:  اهـ.
والمنقول منه هو “كنز العُبَّاد في شرح الأوراد” للشيخ علي بن أحمد الغوري، وهو شرحٌ فارسيٌّ لأوراد الشيخ العارف شهاب الدين السُّهْرَوَرْدِي؛ كما ذكر صاحب “كشف الظنون” (2/ 1517، ط. مكتبة المثنى)، وهو من الكتب غير المعتمدة عند الحنفية:
  اهــ.
فإذا انضاف إلى ذلك أنه لم يَنقل هذا الخلافَ مِن الحنفية غير صاحب “كنز العُبَّاد” هذا، مع مخالفة نقله لإطلاق المتون عند متقدمي الحنفية ومتأخريهم في حل كل أنواع السمك مع عَدِّ الإربيان نوعًا من السمك من أن يُستَثْنَى مِن الحل: كان ذلك آكد لإطلاق القول بالإباحة كما أشارت إليه الفتوى، وأدعى إلى اطِّرَاحِ هذا النقل وعدم الاعتداد به.
- وأما ما يوهمه نقلُ “جواهر الأخلاطي” من تصحيح الكراهة التحريمية للسمك الصغار عند الحنفية: فغير سديد؛ إذ هو مخالفٌ لِمَا ذُكِرَ قبلَه عن صاحب “معراج الهداية” من نسبة الحُرمة فيه إلى الشافعية، ونسبة الحل إلى الحنفية وسائر الأئمة، وقد نقله أيضًا غيرُه من الحنفية؛ كالحافظ العيني في “البناية شرح الهداية” (10/ 734) وفيه تصحيف يُصَحَّح من نقل ابن عابدين، وهو على الصواب أيضًا عند العلامة التهانوي في “إعلاء السنن” (17/ 191، ط. إدارة القرآن والعلوم الإسلامية)، وهو يوافق نقل الإمام ابن قدامة الحنبلي في “المغني”؛ حيث لم ينقل تحريم ذلك عن غير أصحاب الشافعي فقال (9/ 395، ط. مكتبة القاهرة):  اهـ.
على أن ما نقله ابن قدامة وصاحب “معراج الهداية” عن أصحاب الإمام الشافعي مِن تحريم أكل السمك الصغار التي تُقلَى من غير أن يُشَقَّ جوفها: إنما هو أحد الوجهين عند الشافعية، والمُرَجَّحُ عندَهم الحِلُّ؛ إمَّا لطهارة رجيعه عند الإمام الروياني واحتج له غيرُه بأنه يُعْتَدُّ ببيعه، وإمَّا للمُسامحة لعُسر شقه وإخراجه عند الإمام القفال وصححه الإمام الفوراني وغيره؛ كما في “المجموع” للإمام النووي (9/ 73، ط. دار الفكر)، ورجحه الحافظ السيوطي في “الأشباه والنظائر” (1/ 433، ط. دار الكتب العلمية)، وهو المعتمد في المذهب الشافعي كما نص عليه الشيخان: العلامة ابن حجر الهيتمي في “تحفة المحتاج” (9/ 317، ط. المكتبة التجارية الكبرى) والعلَّامة الرملي في “نهاية المحتاج” (8/ 151، ط. دار الفكر)، والقول بالحلِّ هو ما نقله صاحب “معراج الهداية” عن سائر الأئمة.
ثم إن التحريم عند مَن قال به متعلِّقٌ بالسمك الصغار الذي يحوي في جوفه رجيعًا؛ لقولهم بنجاسة رجيعه، أمَّا إطلاقُ القول بتحريمه ولو أُخْرِجَ ما في جوفه، أو بتحريم السمك الصغار مطلَقًا حتى ما لا رجيعَ فيه كالإربيان ونحوه: فلا قائلَ به، وهو مخالفٌ لما تقرر عند الحنفية من فروعٍ مبنيةٍ على حل السمك الصغار؛ كجواز السلم فيه، بل هو مخالف للإجماع الذي نقله الحنفية وغيرهم في حل جميع أنواع السمك.
ولا يَرِدُ على ذلك أيضًا: ما ذُكِرَ مِن مشابهة الجمبري للعقرب أو الدود، وهما من حيوانات البر المحرمة؛ حيث نُقِل الاختلافُ بين الفقهاء في حكم ما كان من حيوان البحر على صورة غير المأكول من حيوان البر؛ وذلك لعدة أوجه:

أولها: أن هذا الخلاف مخصوص عند الحنفية بالسمك؛ فما كان من أنواع السمك فهو عندهم حلال حتى لو شابه ما حَرُمَ مِن حيوانات البر؛

قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (9/ 619):  اهـ.

ثانيها: أنه لا تشابه في الحقيقة بين الجمبري والعقرب أو الدود؛ فالجمبري من طائفة القشريات، وهو معدود مِن طيبات السمك عند العرب وغيرهم وفي أعراف الناس، وهو مفيد ونافع للطعام والصحة ويُعَدُّ من أشهر المأكولات البحرية وأشهاها، وفيه فوائد عدة: حيث يحتوي على كمية كبيرة من الكالسيوم واليود والبروتين والكولسترول مع انعدام نسب الدهون المشبعة؛ فهو أيضًا مفيد للدورة الدموية.
أما العقرب فمن طائفة العنكبوتيات، ومعظم أنواعه سامٌّ، وهو مستقذَرٌ طبعًا وشرعًا وعُرفًا، بل هو من الفواسق الخمس التي صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلها في الحِلِّ والحرم لِكَفِّ أذاها؛ فلكل منهما خصائص ومميزات تجعله مختلفًا تمام الاختلاف عن الآخر، وإن ادُّعِيَ التشابهُ الظاهريُّ بين بعض أنواعهما، وكذلك الحالُ في الدُّود؛ فإنه مُستَقْذَرٌ كذلك، وما يكون من التشابه الظاهري بينه وبين الجمبري لا يُنْبِئُ عن أي مشابهة حقيقية بينهما في الخصائص أو المميزات.

ثالثها: أن العبرة في التحريم -عند من قال به- ليست مطلق المشابهة في الصورة، بل التوافق في الصفات والخصائص المقتضية للتحريم؛ فالمارماهي -وهو ثعبان البحر- حلال عند الحنفية، ولا يخرجه عن الحل مجردُ المشابهة الصورية لثعبان البر؛
قال العلامة شيخي زاده المعروف بداماد أفندي الحنفي في “مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر” (2/ 514، ط. دار إحياء التراث العربي):  اهـ.
ولهذا كله كان التحقيق عند الحنفية: حل الإربيان بلا خلاف، وهو الذي نص عليه العلامة المحدِّث ظفر أحمد العثماني التهانوي الحنفي (ت1394هـ) في كتابه الحافل “إعلاء السنن” (17/ 188)؛ حيث قال:  اهـ.

وأما الإفتاء بأولوية تركه اجتنابًا لشبهة الخلاف فيه: فهو إنما يتفرع على ثبوت الخلاف، وقد ذكرنا أن نقل الخلاف فيه غيرُ معتمد، كما أن المفتَى به عند السادة الحنفية منذ قرون متطاولة: أنه لا يُفْتَى بالأورع أو الأحوط؛ لأن الزمانَ لم يَعُدْ زمانَ اجتناب الشبهات، قال العلامة برهان الدين محمود بن مازه الحنفي (ت616هـ) في “المحيط” (5/ 499، ط. دار الكتب العلمية):  اهـ، والمحكيُّ عنه هو العلامة الفقيه المفتي أبو الحسن علي بن إبراهيم بن نصرويه السمرقندي (ت441هـ)؛ كما ترجمه الحافظ الذهبي في “سير أعلام النبلاء” (17/ 604، ط. الرسالة).
وقال العلامة قاضيخان (ت592هـ) في “فتاواه” (3/ 402، المطبوعة بهامش “الفتاوى الهندية”، ط. الأميرية 1310هـ):  اهـ.

وقال العلامة الشيخ خليل النحلاوي الشيباني الحنفي (ت1350هـ) في “الدرر المُباحة في الحظر والإباحة” (ص: 80):  اهـ.

وقال الشيخ محمد سعيد البرهاني الداغستاني (ت1386هـ) في التعليق على “الدرر المباحة” (ص: 80) بعد أن ساق النقل السابق عن “فتاوى قاضي خان”:  اهـ.
على أن بعض الناس قد يترك أكلَ الإربيان -ومثلُه الجراد- على سبيل التقذُّر واجتناب غير المألوف من الطعام لا على جهة التورع؛ كما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكل الضَّب والأرنب وغيرهما مع إقراره الجواز، وقد نقل أبو الطيب الوشَّاء (ت325هـ) في “المُوَشَّى” في أوصاف الظُّرَفاء (ص: 169، ط. مكتبة الخانجي):  اهـ.
وعلى ذلك فالإربيان (الجمبري) حلالٌ عند جميع الفقهاء، ومنهم السادة الحنفية، والصحيح أنه لا خلاف في ذلك عندهم؛ لاتفاق أهل اللغة وغيرهم على أنه نوع من السمك، وكل أنواع السمك وأصنافه حلال بالإجماع.
والله سبحانه وتعالى أعلم.

lahona
الاسم *
البريد الالكتروني
الدولة
عنوان التعليق *
نص التعليق *